السيد الطباطبائي

14

تفسير الميزان

وحمل صاحب الكشاف الآية على نوع من الاستعارة فرفع به التنافي بين الآيتين قال : كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه فإن عمل صالحا فكها وخلصها وإلا أوبقها . انتهى . وأنت خبير بأن مجرد ما ذكره لا يوجه اتصال الجملة أعني قوله : " كل امرئ بما كسب رهين " بما قبلها . قوله تعالى : وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون " بيان لبعض تتماتهم وتمتعاتهم في الجنة المذكورة إجمالا في قوله السابق : " كلوا واشربوا هنيئا " الخ . والامداد الاتيان بالشئ وقتا بعد وقت ويستعمل في الخير كما أن المد يستعمل في الشر قال تعالى : " ونمد له من العذاب مدا " مريم : 79 . والمعنى : انا نرزقهم بالفاكهة وما يشتهونه من اللحم رزقا بعد رزق ووقتا بعد وقت من غير انقطاع . قوله تعالى : " يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم " التنازع في الكأس تعاطيها والاجتماع على تناولها ، والكأس القدح ولا يطلق الكأس إلا فيما كان فيها الشراب . والمراد باللغو لغو القول الذي يصدر من شاربي الخمر في الدنيا ، والتأثيم جعل الشخص ذا إثم وهو أيضا من آثار الخمر في الدنيا ، ونفي اللغو والتأثيم هو القرينة على أن المراد بالكأس التي يتنازعون فيها كأس الخمر . قوله تعالى : " ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون " المراد به طوافهم عليهم للخدمة قال بعضهم : قيل : " غلمان لهم " بالتنكير ولم يقل : غلمانهم لئلا يتوهم أن المراد بهم غلمانهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فهم كالحور من مخلوقات الجنة كأنهم لؤلؤ مكنون مخزون في الحسن والصباحة والصفا . قوله تعالى : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " أي يسأل كل منهم غيره عن حاله في الدنيا وما الذي ساقه إلى الجنة والنعيم ؟ قوله تعالى : " قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين " قال الراغب : والاشفاق عناية مختلطة بخوف لان المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه قال تعالى : " وهم من الساعة